فخر الدين الرازي

104

تفسير الرازي

نوح ، وعتت الريح على خزانها يوم عاد ، فلم يكن لها عليها سبيل ، فعلى هذا القول : هي عاتية على الخزان الثاني : قال عطاء عن ابن عباس : يريد الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببناء أو ( استناد إلى جبل ) ، فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم القول الثالث : أن هذا ليس من العتو الذي هو عصيان ، إنما هو بلوغ الشيء وانتهاؤه ومنه قولهم : عتا النبت ، أي بلغ منتهاه وجف ، قال تعالى : * ( وقد بلغت من الكبر عتياً ) * ( مريم : 8 ) فعاتية أي بالغة منتهاها في القوة والشدة . * ( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) * . قوله تعالى : * ( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ) * قال مقاتل : سلطها عليهم . وقال الزجاج : أقلعها عليهم ، وقال آخرون : أرسلها عليهم ، هذه هي الألفاظ المنقولة عن المفسرين ، وعندي أن فيه لطيفة ، وذلك لأن من الناس من قال : إن تلك الرياح إنما اشتدت ، لأن اتصالاً فلكياً نجومياً اقتضى ذلك ، فقوله : * ( سخرها ) * فيه إشارة إلى نفي ذلك المذهب ، وبيان أن ذلك إنما حصل بتقدير الله وقدرته ، فإنه لولا هذه الدقيقة لما حصل منه التخويف والتحذير عن العقاب . وقوله : * ( سبع ليال وثمانية أيام حسوماً ) * الفائدة فيه أنه تعالى لو لم يذكر ذلك لما كان مقدار زمان هذا العذاب معلوماً ، فلما قال : * ( سبع ليال وثمانية أيام ) * صار مقدار هذا الزمان معلوماً ، ثم لما كان يمكن أن يظن ظان أن ذلك العذاب كان متفرقاً في هذه المدة أزال هذا الظن ، بقوله : * ( حسوماً ) * أي متتابعة متوالية ، واختلفوا في الحسوم على وجوه أحدها : وهو قول الأكثرين ( حسوماً ) ، أي متتابعة ، أي هذه الأيام تتابعت عليهم بالريح المهلكة ، فلم يكن فيها فتور ولا انقطاع ، وعلى هذا القول : حسوم جمع حاسم . كشهود وقعود ، ومعنى هذا الحسم في اللغة القطع بالاستئصال ، وسمي السيف حساماً ، لأنه يحسم العدو عما يريد ، من بلوغ عداوته فلما كانت تلك الرياح متتابعة ما سكنت ساعة حتى أتت عليهم أشبه تتابعها عليهم تتابع فعل الحاسم في إعادة الكي ، على الداء كرة بعد أخرى ، حتى ينحسم وثانيها : أن الرياح حسمت كل خير ، واستأصلت كل بركة ، فكانت حسوماً أو حسمتهم ، فلم يبق منهم أحد ، فالحسوم على هذين القولين جمع حاسم وثالثها : أن يكون الحسوم مصدراً كالشكور والكفور ، وعلى هذا التقدير فإما أن ينتصب بفعله مضمراً ، والتقدير : يحسم حسوماً ، يعني استأصل استئصالاً ، أو يكون صفة ، كقولك : ذات حسوم ، أو يكون مفعولاً له ، أي سخرها عليهم للاستئصال ، وقرأ السدي : * ( حسوماً ) * بالفتح حالاً من الريح ، أي سخرها عليهم مستأصلة ، وقيل : هي أيام العجوز ، وإنما سميت بأيام العجوز ، لأن عجوزاً من عاد توارت في سرب ، فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها ، وقيل : هي أيام العجز وهي آخر الشتاء . قوله تعالى : * ( فترى القوم فيها صرعى ) * أي في مهابها ، وقال آخرون : أي في تلك الليالي